فانوس جدي

childhood-juice grandfather

كلّما ذهبتُ إلى بيتِ جدي رأيتُ شيئًا ما جميلٌ معلّقٌ على الحائطِ، لم أكن أعرفُ ما هوَ هذا الشيءِ،

وكنتُ أتساءلُ دومًا في نفسي لِم لا نملكُ مثلَهُ في بيتِنا؟

ربما هوَ للزّينةِ.. أو ربما أهداهُم إياهُ شخصٌ ما.

في أحدِ الأيامِ ذهبتُ مساءً لِأزورَ جدي، فرأيتُهُ يلبسُ ثيابَهُ، سألتُهُ: إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ يا جدي؟

أجابني وضحكتُهُ تملأُ وجهَهُ: سأذهبُ إلى الحقلِ بعضَ الوقتِ، لديَّ عملٌ هناكَ.

رددتُ عليهِ: أنا جئتُ لأراكَ يا جدي الحبيب، خذني معكَ.. أرجوكَ يا جدي.

أجابَني بسعادةٍ غامرةٍ: على الرّحبِ والسعةِ، أحبُّ رفقتكَ يا عصام.

أخبر أمَّكَ والبس حذاءَكَ والحقني.

أمسكَ جدي يدي بإحدى يديهِ، بينما أمسكَ بالأخرى ذاكَ الشيءَ،

هممتُ أن أسألَهُ لِمَ أحضرَهُ معَهُ، لكن سرقَنا الحديثُ، ونسيتُ أن أسألَهُ.

في الحقلِ سمعتُ صوتَ زيزِ الليلِ، وكانَ القمرُ في السّماءِ بدرًا لذلكَ كانتِ الحقولُ مُضاءةً أكثرَ من باقي أيامِ الشهرِ،

لكنّ ضوءَ القمرِ لم يكن كافيًا، ممّا جعلَ جدي يُشعلُ ذاكَ الشيءَ.

نظرتُ إليهِ باندهاشٍ، وقلتُ بتعجبٍ: يا إلهي! لقد أصبحَ كالمصباحِ يضيءُ ما حولَهُ.

ردّ جدي: منظرُكَ وأنتَ مندهشٌ جميلٌ يا عصام، أعذرُكَ لأنّ جيلَكُم لا يعرفُ هذا الشيءَ الذي يُدعى ” الفانوس“،

أنتم تعودتُم على المصابيحِ الكهربائيةِ.

جدي، تقصدُ أنّكم كنتُم تستعملونَ هذا الفانوسَ كي تُنيروا بيوتَكم؟!

ألم يكن لديكم كهرباءُ يا جدي؟! سألتُهُ مستغرِبًا.

نعم يا عصامُ، كنا نُنيرُ بيوتَنا بالفانوسِ، لأنَّ المصباحَ الكهربائيَّ لم يكن قد اختُرِعَ بعدُ..

اخترعَهُ شخصٌ يُدعى “أديسون”.. أجابَني جدي.

فتحتُ عينيَّ وقلتُ: أتعلمُ يا جدي الحبيب؟  لم أكن أتوقعُ أنكُم كنتُم تعيشونَ بدونِ كهرباءَ.

هذهِ الاختراعاتُ جعلَت حياتَنا أسهلَ يا عصام، وأنتَ يا صغيري الحبيب عندما تكبرُ تستطيعُ أن تصبحَ مُخترعًا وتجعلَ حياتَنا أسهلَ،

هذا كانَ ردُّ جدي الحبيبِ.

لكن لا أعرفُ ماذا سأخترعُ، قلتُ بِحيرةٍ.

عندما تكبرُ ستكونُ قد تعلمتَ الكثيرَ منَ الأشياءِ يا عصامُ، وعندها يمكنُكَ أن تقرَر ماذا ستخترعُ.

أجابَني جدي والبسمةُ على مُحيّاهُ.

قلتُ بِحماسٍ: جدي.. جدي دعني أحملُ الفانوسَ عنكَ.

اِبتسمَ جدي وناولَني الفانوسَ، فحملتُهُ وتمشّيتُ قليلًا بينَ الأشجارِ، وكنتُ كلَّما اقتربتُ من شجرةٍ رأيتُ خيالَها أوضحَ،

فتخيلتُ الأشجارَ وكأنها تتحدثُ معَ بعضِها.

عندما عُدنا إلى المنزلِ أطفأتُ الأنوارَ، وأشعلتُ الفانوسَ وبدأتُ أحرّكُ يديَّ بحركاتٍ مختلفةٍ،

وأحركُ بعضَ الأشياءِ الصغيرةِ وأرى خيالها على الحائطِ، وأتخيلُها وكأنّها مسرحَ عرائسٍ تؤدي مشهدًا تمثيليًّا.

لقد كانت ليلةً ممتعةً جدًا في بيتِ جدي.


تأليف: أماني جازية                                  تحرير: ولاء الشوا

 جميع الحقوق محفوظة لمدونة عصير الطفولة

شاهد أيضاً

hassan 310x165 - محبة الصغار للنبي - ريحانتا النبي

محبة الصغار للنبي – ريحانتا النبي

محبة الصغار للنبي ريحانتا النبي ريحانتا النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين كان لنبينا …

old car 310x165 - سيارتنا القديمة

سيارتنا القديمة

  سيارتنا القديمة  نزلت دموع إلهام عندما سمعت والديها يتحدثان عن ضرورة تخليهما عن سيارتهما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *